03 - 01 - 2026

رشقة أفكار | رسالة إلى السيد الرئيس

رشقة أفكار | رسالة إلى السيد الرئيس

ليسمح لي السيد الرئيس أن أكتب إليه هذه الرسالة ، التي لا آظن أنها ستتسبب في حبسي عقابًا لى، لأنني لا أنتوي الاجتراء على مقام الرئاسة المصان والمحفوظ . وإنما أنا أفكر مثلما  يفكر كل مصري لم يتح له أن يلتقي رئيس الجمهورية، فالطبيعي أن يرسل اليه رسالة: قد تكون رسالة تلغرافية (تليغراف)، كما يفعل المصريون منذ عهد ناصر العظيم.. وحتى في عهد السادات وخليفته مبارك.

يلوذ الناس بالبرقيات ياسيادة الرئيس عندما يصم الآخرون آذانهم عن الإنصات أو الرؤية لما جرى لهم. هل يتفقد مكتب شئون الرئاسة بريدك بانتظام؟! لا أظنك مثل مبارك.. يحجب عنك زكريا عزمي الرئاسة كل الأخبارالسيئة!

في زمن السوشيال ميديا قد تكون الرسالة بوستًا  على فيس بوك أو تغريدًة على تويتر (إكس حاليا).. كلٌ له نتائجه أو عواقبه.. قد تكون وخيمة أو شدة أذن.. ربما!

أما الصحفي فإنه يكتب.. خبرًا، تقريرًا، تحقيقًا، حوارًا.. أو مقالًا كما أفعل الآن!

هل تجتاحني مخاوف من أن يضيق الرئيس؟ نعم في ذهني طبعًا.. وأتمنى ألا يفعل. هل في ذهني أن الرجال حول الرئيس قد يكون صدرهم أكثر ضيقًا؟ نعم في ذهني أيضًا!

أقول لنفسي: إذن.. هل ستتراجع وتطوي الصفحة و"تدشت" أوراقك وتقول كفى الله المؤمنين القتال؟ وأرد: لا تراجع.. لأنني سأبدأ حديثي إلى سيادته بترطيب الأجواء.. واظنه سيستقبل معطرات الجو التي سأنثرها في الهواء، وسيصدقني الرئيس، فأنا بلغت من العمر عتيًا.. ٦٥ قيراطًا من السنين.. لا مطمح بعدها الآن.. الطموح "كان زمان"!

كل سنة وحضرتك طيب ياسيادة الرئيس.. سنة جديدة سعيدة عليك وعلى أسرتك وعائلتك ومن تحب. أمنية صادقة من القلب. ربما كان ذلك مرطبًا فعالًا.. أتمنى ذلك. والحقيقة أن رسالتي للرئيس قد تبدو فئوية.. كونها تتعلق بالصحافة والإعلام.. ولكنها في تقديري ليست كذلك.. فالإعلام وفي القلب منه الصحافة يمثل قضية أمة بأكملها.. حتى أنك أبديت اهتماما بذلك ذات حديث.. يقينا تتذكر - ياسيادة الرئيس - حديثك عن إعلام عبد الناصر؟ انقل هنا عن اليوم السابع: قال السيسي: «الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظاً، لأنه كان بيتكلم والإعلام معاه».

وأضفت سيادتك أن "الإعلام المصري عليه مسؤولية عظيمة و يجب أن يكون في صف الشعب". تلك كلماتك وهي تؤكد أهمية الإعلام للرئيس.

عماد الدين حسين رئيس تحرير الشروق والنائب الحالي كتب مقالًا تعليقا على ماقلته سيادتك معتبرًا أنها "جملة عارضة"وأضاف: كثيرون توقفوا عند هذه العبارة، البعض رآها عادية والبعض رآها رغبة من الرئيس فى إعادة إنتاج نموذج الإعلام الذى كان سائدا أيام الرئيس الراحل عبدالناصر رحمه الله، والبعض الآخر، اعتبرها رؤية للسيسى خلاصتها أن الإعلام ينبغى أن يكون داعما للدولة وبقائها خصوصا فى ظل التحديات الصعبة والعاتية التى تواجهها مصر الآن».

ما نفهمه من عبارة الرئيس أنه يريد ان يكون "الإعلام وراه"! من دون تخمينات ولا تأويلات ولا شيء.. لكن هنا تكمن العقدة، هل يريد الرئيس أن يقدم الإعلام السبت حتى يجد الأحد؟

الحوار الوطني الذي جري على مدى شهور تحاور الناس مع السلطة وأخرجوا توصيات لم تر النور حتى الآن؟! الحوار الوطني جرى بموافقة الرئيس وربما بدعوة منه؟ ولجان العفو الرئاسي التي انبثقت عنه حاولت كثيرًا دون جدوى إطلاق سجناء رآي.. يعرفهم الناس وظروفهم الصحية معروفة.. وافكارهم السياسية تقبل في إطار المعارضة والاختلاف!

سيادة الرئيس: تهتم بأن يكون الإعلام خلفك ويعمل لصالح الشعب، وتهتم بالحوار الوطني وتمنح أملاً بأن تتحق مخرجاته ولكن ما الذي حدث.. ما الذي يحدث؟

أعود إلى السؤال الأساسي: هل كان ممكنًا أن يحظى الرئيس السيسي بإعلام مثل إعلام الرئيس عبد الناصر؟ فمن الذي إختار هذا الإعلام أساسًا ياسيادة الرئيس؟ إعلام عبد الناصركان كثيره جيد.. لكن الإعلام الحالي كثيره ليس كذلك! الآن هناك تركيز على زملاء يعينهم لا يتغيرون.. فقدوا مصداقيتهم عند الناس.. الخبثاء يضربون بهم المثل ويصمونهم بأنهم "إعلام السامسونج".. أي الذين يدارون بالتليفون؟ إعلام عبدالناصر كان قلبه هيكل، ولفترة معينة - قبل اتهامه بالجاسوسية - مصطفى أمين وحلمي سلام.

عهد جمال عبد الناصر، برزت رموز إعلامية وصحفية هامة مثل فكري أباظة وكامل الشناوي وشخصيات مؤثرة في وزارة الإعلام مثل محمد فايق، وعبد القادر حاتم، وكتاب وشعراء وأدباء، يمكن ان نعدد أسماء كثيرة منهم، كل الناس يعرفونهم ولا يقارن أحد من الإعلاميين المتنفذين الآن بأحد منهم!.

والحقيقة أن مصر مرّت  في عهد عبدالناصر بمرحلة مفصلية في تاريخها، حيث لم تقتصر قوته على الجوانب العسكرية والسياسية فحسب، بل استخدم الثقافة والفنون كأدوات فاعلة لترسيخ النظام وخلق هوية وطنية جديدة. برع عبد الناصر في استخدام ما يُعرف بالقوة الناعمة – وهي القدرة على التأثير من خلال الثقافة، الفنون، الإعلام، والتعليم، وغيرها من المجالات التي تبني القوة بدون الحاجة لاستخدام العنف أو القهر. كانت الثقافة والفنون جزءًا أساسيًا من استراتيجية عبد الناصر في حشد الجماهير وتعزيز مكانته.(رفعت رشاد - الوطن ١-٦-٢٠٢٥)

الذي يحدث الآن هو أن الجمهورية الجديدة كما تسمي، لاتهتم بالإعلام أو الثقافة! الاهتمام بالإعلام يحتاج مشروعا وليس مجرد تعليمات! الاهتمام بالإعلام وفي مقدمته الصحافة يعني أن تسعى الدولة إلى تطوير الصحافة تلك مهمتها، والملاحظ أن الدولة لاتريد أن تنفق أولا على المؤسسات الصحفية، فهي بمقاييس الربح والخسارة تحقق خسائر مستمرة وهي "مدينة" في الأساس.. لكن لايمكن ان يبقى الحال على ماهو عليه. الصحف المسماة بالقومية وضعها وشرحه أمر يطول، لا افضل الخوض في هذا المستنقع، لكني أخوض في أمر آخر وهو دعم الدولة للصحفي.. هناك نوع من الدعم يقدم في صورة بدل تدريب وتكنولوجيا، وقد استخدمته الدولة ضد الصحفيين وليس لصالحهم، خاصة بعد نتائج الانتخابات الأخيرة في نقابة الصحفيين، حيث لم تف بوعودها بزيادة مبلغ "البدل" بنحو ١١٠٠ جنية كما تعهدت ضمنًا للنقيب، بل ماطلت كثيرا ثم قررت بعد انفلات الأعصاب زيادة محدودة تقدر بنصف المبلغ  فقط، ما اعتبرته وزملاء كثرُ عقابا للصحفيين! هل هذا يمكن ان يجعل صحفيين يؤمنون بأنهم محترمون ومقدرون من الدولة إذا كانت تعاقبهم على اختياراتهم؟ لا أتحدث هنا عن شراء ذمم الصحفيين، وإنما عن رسالة تقدير واحترام وتأكيد على أنهم محط ثقة، وأن الدولة تنظر اليهم كما تنظر إلى فئات أخري تزيد بدلاتها واستحقاقاتها تباعًا! الصحفي كيف يعمل وهو يعاني الفقر، خصوصًا أن مرتبات الصحفيين كانت تحت خط الحد الأدنى للأجور، قبل ان يصبح قانونا ملزما للصحف الحكومية، فيما يناضل زملاؤنا بالصحف الأخرى من أجل تفعيل هذه الحقوق، من دون جدوي حتى الآن!

هل من الطبيعي سكوت الدولة عن أزمات الصحفيين في الصحف المستقلة والخاصة أو الحزبية - حيث يعتصم صحفيو  البوابة نيوز منذ أكثر من ٤٠ يوما نتيجة رفض الملاك تطبيق الحد الأدنى للأجور، وردًا على اعتصامهم عاقبوهم بعدم صرف مرتباتهم الضئيلة جدًا منذ شهرين؟ هل هذا السكوت يرسل رسائل تقدير للصحفيين؟

هل لدى الدولة أدنى فكرة عن أن أزمة صحفيين أخرى قادمة وهم صحفيو جريدة الفجر التي تتبع الآن الشركة المتحدة، والتي لم تقم بعد ان امتلكت الحصص بأي أعمال تطوير للصحيفة ومقدراتها، بما يضمن  استمرار العمل وبالتالي تواصل صرف مستحقات ورواتب الصحفيين؟ لماذا لا تقوم الشركة المتحدة بما يجب القيام به.. حيث توقف العدد الورقي للصحيفة كليًا ولم يبق سوى الموقع.. ولا تتخذ أي إجراءات تجاه صرف المرتبات؟

- إعلام عبد الناصر ياسيادة الرئيس كان فيه قامات كبيرة جدًا.. وأفكار ومباديء وتقدير للصحافة ودورها والصحفيين وكانت رواتبهم  منتظمة ولا توجد أخطار تهدد مؤسساتهم أو لقمة عيشهم.. ماجعل الصحفيين يقومون بكل ما يلزم من أعمال في ظل هذه الأطر.. والاحترام والتقدير المتبادل . هذا مع التحية والسلام.
--------------------------
بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | رسالة إلى السيد الرئيس